القرطبي
390
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ( 3 ) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ( 4 ) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون ( 5 ) قوله تعالى : ( وهو الله في السماوات وفي الأرض ) يقال : ما عامل الاعراب في الظرف من " في السماوات وفى الأرض " ؟ ففيه أجوبة : أحدها - أي وهو الله المعظم أو المعبود في السماوات وفي الأرض ، كما تقول : زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حكمه . ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض ، كما تقول : هو في حاجات الناس وفي الصلاة ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون المعنى : وهو الله في السماوات وهو الله في الأرض . وقيل : المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا يخفى عليه شئ ، قال النحاس : وهذا ( 1 ) من أحسن ما قيل فيه . وقال محمد بن جرير : وهو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض فيعلم مقدم في الوجهين والأول أسلم وأبعد من الاشكال وقيل غير هذا . والقاعدة تنزيهه عز وجل عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة . ( ويعلم ما تكسبون ) أي من خير وشر . والكسب الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر ولهذا لا يقال لفعل الله كسب . قوله تعالى : ( وما تأتيهم من آية ) أي علامة كانشقاق القمر ونحوها . و " من " لاستغراق الجنس ، تقول : ما في الدار من أحد . ( من آيات ربهم ) " من " الثانية للتبعيض . و ( معرضين ) خبر " كانوا " . والاعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله عز وجل من خلق السماوات والأرض وما بينهما وأنه يرجع إلى قديم [ حي ] ( 2 ) غني عن جميع الأشياء قادر لا يعجزه شئ عالم لا يخفى عليه شئ من المعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم ( 3 ) ، ليستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به ( 4 ) .
--> ( 1 ) في ك : وهذا أحسن . الخ . ( 2 ) من ك . ( 3 ) من ع . ( 4 ) في ع : يأتي .